قصة قصيرة الشرنقة
التحقت بالفصل الدراسي باكرا حتى أتمكن من كتابة أمثلة الدرس اللغوي قبل حضور التلاميذ . حجرة هذا الفصل تثير أعصابي فهي مقابلة لمكتب الحراسة العامة وأدنى حركة تقع في القسم يهرع لها طاقم الحراسة بكامله ويقتحم الحجرة بطريقة تشبه فرقة التدخل السريع ،كنت في البداية أظن أنهم يبالغون في أداء الواجب والسهر على انضباط المؤسسة ،إلا أن زميلا أخبرني أن ما يصدر في الفصل من ضجيج يقلق راحتهم ويعكر صفو الهدوء الذي ينعمون به،وكم من مرة طلبوا من رئيس المؤسسة تغيير مكان مكتب الحراسة العامة،وكم فرحت لهذا الطلب فهو رغبة متبادلة بيننا رغم اختلاف الحسابات.
دخل التلاميذ الفصل وشرعوا في نقل الأمثلة على دفاترهم ،فانتهزت فرصة الفراغ الذي أوجد فيه وتوجهت نحو النافذة لأستطلع ما يدور بداخل مكتب الحراسة العامة ، أحسست بغبطة كبيرة وصلت حد الحسد وأنا أشاهد الطاقم الإداري يعيش لحظة استغراق في تصفح الجريدة أو ملء الشبكة المسهمة ومنهم من ذهب بعيدا إلى حد التمايل فوق مقعده منسجما مع ما يسمعه عبر سماعات يضعها في أدنيه.
ما أسعد هذه اللحظات، بينما أنا غارق في هذا الفصل أصرخ وأتراقص بين التلاميذ، أكتب وأمسح، والغبار يثناتر على جسمي كالرذاذ ،فلماذا لا أنعم أنا أيضا بهذه الراحة ، فجل من أعرفهم من أساتذة غيروا وجهتهم نحو الحراسة العامة بينما أنا أتشبث بالتدريس وأدافع عن رسالته النبيلة وكيف أن المعلم كاد أن يكون رسولا، كما أخذت عن الشاعر أحمد شوقي الذي ورطني حتى أصبحت أعتبر ما قاله حقيقة وليس شعرا . دخلت في أحلام اليقظة متخيلا نفسي فوق كرسي وثير وبجانبي إبريق شاي ومجموعة من الجرائد ورجلاي ممدودتان فوق طاولة المكتب ،وثارة أخرى أتوجه إلى الحاسوب لأمارس لعبة الورق أو الدردشة عبر الانترنيت بعيدا عن شخط التلاميذ وغبار الطباشير وإعياء الوقوف المسترسل .فكرة هائلة لماذا لا أترشح لمنصب الحراسة العامة الشاغر في المؤسسة ؟فأقدميتي المهنية تعطيني امتياز الأولوية .
في فترة الاستراحة توجهت إلى مكتب المدير وتقدمت بترشيحي ، فاستحسن الفكرة وأسند لي المهمة ريثما يتم الحسم فيها بطرقة رسمية رغم اعتراض بعض الذين كانوا قريبين من الظفر بها .
حضرت صباح الغد في حلتي الجديدة أتأبط بعض الجرائد مسرعا الخطى إلى المكتب ،أرد على تحيات وتهاني زملائي بعجالة وأخيرا وصلت المكتب وتقدم الطاقم المساعد للحارس العام يسلم علي بحرارة مريبة وكأنهم يتخلصون من ورطة كانوا يتخبطون فيها بل منهم من أصدر زفرة ارتياح عميقة كمن تخلص من هم ثقيل كان جاثما على صدره ، أخذت مكاني خلف المكتب وشرعت في إعداد الجرائد التي ستحظى بأولوية القراءة بعد دخول التلاميذ إلى فصولهم الدراسية ، وما أن دق الجرس حتى تدفق مجموعة من التلاميذ على مكتب الحراسة العامة منهم المكلف بورقة الغياب ،ومنهم من يطلب ورقة السماح بالدخول،وآخر يريد الترخيص للذهاب إلى المستوصف،ومن يسأل عن بعض أغراضه نسيها البارحة في القسم الذي يدرس به ،حاولت جاهدا توجيه التلاميذ إلى الطاقم الإداري لحل مشاكلهم حتى أنعم بالراحة التي أتشوق إليها بفارغ الصبر . بعد التخلص من التلاميذ حضر أباء وأولياء التلاميذ فمنهم من يطلب شهادة مدرسية مستعجلة ،ومنهم من جاء للتبليغ عن غياب ابنه الطارئ ، ومن جاء بعد أن طُلب من ابنه إحضار ولي أمره ،يا إلهي! كيف التخلص من هذا الركام البشري ؟فكل واحد منهم يحتاج إلى حوار خاص، والإنصات إليه مهما كان كلامه خارجا عن الموضوع أو تافها ،أدركت حينها سبب الحفاوة التي خصني بها الطاقم الذي يتقاسم معي مهام الحراسة العامة وحقيقة الزفرة العميقة التي استقبلت بها وأنا أدخل المكتب .
لم أستطع تحمل هذا التوتر لمدة أطول فبادرت أقرب الموظفين إلى مكتبي بالسؤال :
ـ متى سننتهي من هذه الجلبة حتى ننعم بالهدوء الذي ما جئت إلا لأنعم به ؟
ابتسم ابتسامة ساخرة ورد بسخرية أكبر:
ـ عندما يدق جرس منتصف النهار وينسحب جميع التلاميذ بدون طارئ مفاجئ.
ـ ولكن كنت أشاهدكم من نافذة الفصل وأنتم تستمتعون بالراحة التامة!.
ـ تلك كانت استراحة محارب لا ننعم بها إلا في الوقت الضائع ونحاول استغلالها إلى أقصى حد في سباق مع الزمن.فكل مشاكل المؤسسة تصب في الحراسة العامة،فلا نرى إلا تلميذا مريضا أو مصابا في عراك مع زميله ،أو مشاغبا يعرقل جو التحصيل في الفصل ، وكل إجراء يتطلب مجهودا خاصا و.......
تركت زميلي مسترسلا في سرد هموم الحراسة العامة وانسحبت مهرولا إلى السيد مدير المؤسسة لسحب طلب الترشيح لمنصب الحارس العام قبل أن يرسله إلى الجهات المعنية ، وأخذت جدول حصصي قبل أن يوزع على باقي الأساتذة .وأنا أتشوق إلى التلاميذ وهم ينصتون بشغف للمناقشة أو الشرح في هدوء وراحة تامة ، وخلفت المدير ورائي ينظر بعينين جاحظتين مستغربا هذا الانقلاب المفاجئ.
نورالدين بيلا
بسم الله الرحمن الرحيم
قصة الفجوة الرقمية نورالدين بيلا

وأخيرا حصلت على رخصة استثنائية لنصف يوم حتى أتمكن من إيداع رسالة بالبريد المضمون في مكتب البريد المركزي ،استيقظت باكرا لأكون في أول الطابور تفاديا للازدحام،والتدافع،واللغط في الكلام ،ولأستمتع بما يتبقى لي من رخصتي الاستثنائية، وبالفعل كنت في موعد الحدث،فاجأني بهو المكتب الفارغ إلا من موظفين يتوسدون أدرعهم،فقلت الحمد لله سأتمكن من إنهاء المهمة في زمن قياسي لأتفرغ لنصف يومي الاستثنائي .بحثت عن وجهتي في اللوحات الالكترونية المعلقة فوق المكاتب فوجدتها تتفق على عبارة واحدة "مرحبا بزبنائنا الكرام"،سررت بهذه العبارة التي تحترم الزبون،وتوجهت إلى أٌقرب مكتب وطلبت،بحماس مستعجل،من الموظف مباشرة الترتيبات بعدما قدمت له رسالتي وهممت بدفع واجب الطابع البريدي فقاطع استرسالي فقال،وعينيه تنمان عن الاستهجان والإحساس بالمهانة ،ماذا رسالة بالبريد المضمون؟!!.وما أن نطق الجملة حتى بدأت رؤوس الموظفين تشرئب من وراء المناضد وكأنها تتعرف على مخلوق غريب ،وبدأ التهامس بين الموظفين بغمغمات كسرت جو الرتابة السائد،فخرج موظف من مكتبه مستنكرا هذا الضجيج،فتقدم موظف هامسا في أذنه والتف حوله الباقي وكأنهم يشكلون خلية للتشاور في النازلة ،وفي كل مرة يرمقني أحد الموظفين ،تم توجه الموظف رئيس الحلقة نحوي، بعدما أفسحوا له الطريق،دون أن يتوقف عن تفحص رسالتي،وأخذ يحذق في بعينين ماكرتين في وضع احترازي وكأنه يتهيأ للأسوأ ، فقدم لي نفسه على أنه الرئيس المسؤول عن مكتب البريد هذا، وشد دراعي برفق وأزاحني بعيدا عن الموظفين في زاوية منعزلة فقال لي:
ـ ماهذا التأخر والتخلف؟! ،كنت أظنك في البداية جئت مازحا أو مستفزا للموظفين ،ولكن تبن لي من هيأتك وصرامتك أنك جاد في طلبك.
ـ وأين التأخر والتخلف في طلبي هذا؟
ـ أما زلت تعاند؟!!، ألا تعرف أننا نعيش عصر الثورة الرقمية ؟
ـ وما علاقة ذلك بطلبي؟!!
ـ سبحان الله ، يظهر لي أنك لم تشرف مكتبنا هذا منذ مدة طويلة ، وحتى أختصر عليك الطريق أٌقول لك أن الرسائل الورقية قد انقرضت ، وأصبحت جزءا من التاريخ ، والرسائل تبعث الآن عبر البريد الإلكتروني عبر الحاسوب وبواسطة الشبكة العنكبوتية إن كنت تعرفهما.
أحسست بدوار أمام هذا السيل من المصطلحات التي لا قبل لي بها ،وقاطعته قائلا:
ـ أستسمحك على قطع كلامك ، هلا وضحت لي أكثر من فضلك؟
استحسن الطلب وعدل ربطة عنقه ،ثم أخذني إلى جهاز يشبه التلفاز، واسترسل في سرد فضائل هذا الجهاز الذي يسميه الحاسوب وما يوفره من خدمات معقدة في زمن قياسي كان يعجز أمامها الموظف أو تستغرق منه وقتا طويلا ناهيك عن الدقة في الأداء بعيدا عن الأخطاء البشرية التي تعطل مصالح المواطنين ،وضرب لي مثلا بالرسالة التي كنت أهم بإرسالها فهي تستغرق أياما وغير مؤمنة في حالة ضياعها أو إذا كانت وجهتها غير صحيحة ،مع ما تستهلكه من هدر مادي وبشري، في حين أن الرسالة الرقمية لا تتطلب إلا دقائق معدودة وتصل صاحبها بمجرد الضغط على زر الإرسال،وأخبر فورا بنجاح الوصل من عدمه.ثم واصل قائلا:
ـ دعك من كل هذا ، هل تتوفر على حساب بنكي؟
ـ إني أستخلص حوالتي من الخزينة العامة ، فأجرتي المتواضعة لا مكان لها في البنك ، فهي تصرف قبل تحصيلها.ثم أن وضعي داخل البنك سيكون محرجا وأنا أسحب أجرتي عن آخرها دون أن أترك مصاريف الخدمات البنكية .
قاطعني وهو يداري ابتسامته المتهكمة قائلا:
ـ يا أخي التطور التكنولوجي يعم كل المرافق من إدارات وأبناك ومؤسسات القطاع العام والخاص، ونحن نوفر خدمة بنكية لأصحاب الدخل المتواضع وعلى مدار الساعة واليوم والأسبوع والشهر والسنة ،ليلا ونهارا،وحتى في العطل والأعياد ، وكل ذلك بواسطة بطاقة بنكية تشبه بطاقة تعبئة الهاتف المحمول.
فقاطعته قائلا:
ـ وهو أيضا لا أتوفر عليه، فميزانيتي لا تسمح بذلك.
فأخرج بطاقة أنيقة من جيبه ثم قال:
ـ بهذه البطاقة يمكن أن تجري عمليات بنكية انطلاقا من الشباك الأوتوماتيكي الموجود خارج المكتب البريدي في أي وقت تشاء،تسحب النقود، وتتعرف على رصيدك،وقد تؤدي بها مشترياتك في المتاجر التي تدعم هذه الخدمة،وكل ذلك في وقت وجيز .
ـ هذا عمل مذهل!، هذه هي العبقرية!هذا هو العلم!
فعقب وهو يتصنع التواضع:
ـ لا تهول الأمور فهذا من أبسط ما تقدمه الخدمات المعلوماتية.
ـ فهل يمكن أن أحصل على هذه الخدمة البنكية في وكالتكم البريدية؟،فعلى الأقل أتخلص من حرج سحب حوالتي ،وازدحام الطابور ،و شخط الموظف ، بل يمكنني أن أسب وألعن الشباك بكل حرية عندما لا يستجيب لطلبي دون أن أتابع بتهمة إهانة موظف .
قاطعني مرحبا :
ـ نعم بكل سهولة ، فالإجراءات بسيطة لا تتطلب إلا بطاقة التعريف ورقم تأجيرك ،وتوقيعك المحترم.
ـ ماذا تنتظر إذن فخير البر عاجله؟
ـ نعم ، ولكن انتظر حتى يأتي التقني لإصلاح الحاسوب المعطل منذ يوم أمس، فقد راسلت السيد المندوب الذي راسل الإدارة المركزية والتي عينت مهندسا تقنيا لإصلاح العطب وهو على وشك الوصول، فكل هؤلاء الناس ينتظرون وصول المهندس التقني بفارغ الصبر.
فالتفت حيث أشار فرأيت ركاما بشريا متحفزا وكأنه ينتظر إشارة الانطلاق.ثم عدت أتملى بالحاسوب العجيب ،وسألت الموظف عن كيفية اشتغاله وأداء مهامه. فأجابني بحماس أن هناك برامج خاصة داخل الحاسوب تؤدي الأوامر المطلوبة وبمجرد توصيل الحاسوب بالطاقة الكهربائية حتى يبدأ في الاستجابة الفورية لطلباتي.
ـ وهذا الحاسوب يعمل أيضا بالطاقة؟
ـ نعم ، فالطاقة الكهربائية ضرورية لكي يعمل .
ـ ولكن حاسوبك غير موصول بالمقبس الكهربائي، فكيف سيعمل إذن؟
نظر الموظف إلى موضع المقبس وعدل على الفور سلك الحاسوب الكهربائي فانطلق خرير يشبه قرقرة مصاريني عندما يشتد بها الجوع، فظهرت الصورة على شاشة الحاسوب، وانطلق صوت صفير من مكبر الصوت .
صاح الموظف بفرحة طفولية لقد شغلت الحاسوب! الحاسوب اشتغل!.فتعالت التصفيقات وتقاطر الموظفون على رئيسهم يهنئونه على هذا الإنجاز المتميز.ووسط هذا الجو السعيد رمقت موظفا منزويا ينظر إلي بأسف وحسرة ،ربما ضيعت عليه مزيدا من الراحة المؤدى عنها .فهممت بالإنسحاب في صمت وأنا أشد على رسالتي التي أصبحت تحفة تارخية حتى لا تضيع مني وسط جموع الناس المتدفقين من كل صوب بشكل هستيري ،وأنا أسرع الخطى حتى لاتلفق لي تهمة إثارة الشغب .
نورالدين بيلا
الحلقة الأخيرة قصة قصيرة
لأول مرة يحس بوخزة حادة في صدره عمل على تدليكها بلطف وانزاحت عنه بسلام ،ففرح بالإنفرج الذي غمره وتابع جلسة العمل بنشاط أكبر زاد من المدة الزمنية للإجتماع ،انصرف وهو يحث مدراء شركاته على عدم التهاون فالوقت عصيب جدا.
له ألقاب عديدة "المقص"،"المنشار" ،"شفرة الحلاقة"كل يلقبه بحسب ما تركه فيه من أثر ،كم يحس بنشوة كبيرة وهو يستعرض على أبنائه قصصه المثيرة في عالم المال والأعمال وما قام به من نصب واحتيال مكنه من مراكمة هذه الثروة الهائلة ناصحا إياهم بعدم تضيع الوقت واستغلاله في كل ما يمكن أن يحقق دخلا ماديا ،فعالم المال لا يعترف بالأخلاق ،ضاربا المثل بأخيه الساذج الذي يتشبث بالقيم فبقي في الحضيض، ولولا حدة ذكائه الذي مكنه من الاستيلاء على الضيعة التي ورثاها عن والدهما لتبخرت في الأعمال الإنسانية والخيرية التي كان الأخ الأصغر ينوي القيام بها.
نظر الأبناء إلى بعضهم وكل منهم يتوجس الغدر من الآخر وهم يستحضرون ما قاله الأب عن أخيه،انفض الجمع وقام الأبناء لتوديع والدهم والذهاب إلى النوم ،إلا أن الأب لم يستطع تحريك يده للسلام عليهم ،وطمأنهم أن ذلك سيزول بسرعة كما وقع له في الصباح مع الوعكة الخفيفة.
استيقض من غفوته ووجد نفسه محاطا بفريق طبي وأبنائه بجوار رأسه وهو لا يقوى حتى على تحريك شفتيه لمعرفة ما حصل له ،والمواعيد الذي تنتظره ويمكن أن تضيع عليه صفقات كبيرة إن هو خالفها،حاول التململ والصراخ دون جدوى،يشاهد الطبيب يحرك رأسه بأسف والأبناء بجواره وكأنهم يستعجلون إنهاء هذا الوضع ،وهو يسمع الطبيب يقول للأبناء البقاء لله ولا حول ولا قوة إلا بالله .
ـ لا،لم أمت ما زلت حيا هاأنا أسمعكم وأشاهدكم.
أغمضت الممرضة عينيه الجاحظتين ،وحاول إبعاد يدها عن وجهه دون جدوى،فقد أصبح كتلة جامدة ولا أحد يسمع صراخه،والأبناء يتشاورون حول التركة وكيف يتم تقسيمها بالتراضي بعد التخلص من مراسيم الدفن الذي سيوكل لممون يقوم بكل الإجراءات نيابة عنهم ،الأب ممدد على السرير ويتتبع كل ما يدور حوله في عجز تام وتأسف على ما آل إليه، وتمنى لو أن الزمن يمهله فرصة واحدة للنطق أو الحركة حتى يصحح ما ارتكبه من جرائم في حق أخيه والمتعاملين معه في عالم المال .والأبناء يحثون حفار القبور على دك التراب فوق القبر ورشه جيدا بالماء ليصبح صلدا ريتما يُحضر البناء الطوب والرخام لاحكام بناء القبر وتزيينه ،فأدرك الوالد أن نهايته أصبحت حتمية.
نور الدين بيلا 06أبريل2009
مسجل خطر
حير المخبرين بمراوغاته وجرائمه إلى أن تعقبوه بحينا ونصبوا له كمينا وقبل الفجر استيقظ أهل حينا على دوي منبهات سيارات الشرطة القادمة من بعيد فخرج الجميع مذهولا فزعا ليستطلع الأمر، فطوقوا سيارات الشرطة
فاتصل رئيس الشرطة يطلب النجدة.

جودة خاصة جدا
دخل السوق الأسبوعي ،شرع في انزال حمولة الحليب والزبدة من دراجته النارية ورصها بتنسيق مثير ،وأثت الفضاء بانواع مختلفة من النباتات ،وقبل أن ينسى هرع إلى زميله في الحرفة واقتنى كمية من الحليب والزبدة التي طلبتها زوجته

بسم الله الرحمن الرحيم
المدرسة و الهدر الدراسي نور الدين بيلا


لقد باتت المدرسة المغربية عملة مزيفة غير قابلة للتداول على أرض الواقع مهما بالغنا في عمليات التجميل والإغراء أمام غياب شروط التحفيز التي تشد إليها المتعلم وتجعله ينساق إليها بدون إكراه مادي أو معنوي، فكما يقال في حقل التربية : يمكن أن نجر الحصان إلى الماء ولكن لا يمكن أن نجبره على الشرب.
فالمتعلم خاصة والمجتمع عامة ـ بحكم نسبة الأمية المرتفعة بين أفراده ـ يطرح السؤال حول الغاية من التعلم ،والقيمة المضافة التي سيستفيدها المتعلم من التعليم ، وتجعله يحقق الرفاهية الاجتماعية بين أقرانه الذين اختصروا الطريق وحققوا الثراء المادي رغم الفقر المعنوي .
فالمتعلم يلاحظ أفواج خريجي الثانويات والجامعات قد ضيعوا زهرة شبابهم في التحصيل والتكوين لينتهي بهم المطاف في الشارع وقد تقدم بهم العمر حيث لا يمكنهم تعلم حرفة جديدة تضمن لهم حياة كريمة ، فتنتابهم مشاعر الغبن والحيرة والضياع قد يصل إلى اليأس الذي يمهد الطريق نحو الانحراف .
وها نحن إذن أمام مدرسة تحولت إلى قاعة الانتظار يملأ بها التلميذ الفراغ ويتربص بأول فرصة تمكنه من الظفر بشغل أو هجرة نحو الخارج تجعله ينجو من شبح البطالة ، فتفشت مستويات الهدر بكل أشكاله :هدر تربوي ناتج عن غياب الاهتمام بالمواد المدرسة وبالتالي تدني المستوى الدراسي،وهدر مادي جعل المدرسة تستنفذ أمولا طائلة وتحقق نتائج مخيبة ،وهدر أخلاقي يشجع على الانحراف أمام فقدان الثقة في جدوى العملية التربوية، فباتت المدرسة عقيمة تغيب فيها الشروط المحفزة للرغبة في التعلم والإقبال عليه.
فكم من متعلم يشتغل في ميادين لا علاقة لها بتخصصه أو يقبل بوظيفة أو شغل متواضع دون مستواه الفكري والعلمي لضمان لقمة العيش ، وكل ما تعلمه في سنواته الدراسية ألقاه في مزبلة التاريخ، بل منهم من أعاد التكوين والتعلم من جديد حتى يحصل على الشغل .
فما الذي يجذب المتعلم إلى المدرسة إذا كانت بهذه ألآفاق السوداوية ، حتى أصبح الانضمام إلى الجامعة مخجلا ومحرجا للطلبة ،لا يلجها الطالب إلا عندما تغلق في وجهه كل الأبواب التي تحمل بصيصا من الأمل .ونحن الذين كنا نرى الطالب يتباهى بانضمامه للحرم الجامعي ، ويحضى بالاحترام والتقدير.
فعندما نربط المجتمع بالمؤسسة التعليمية في علاقة تبادلية تمكن المتعلم من استثمار تعليمه في المجتمع الذي يجب أن يمتص كل الطاقات والمواهب وتوظيفها في نهضة المجتمع بإعادة توزيعها واستغلالها استغلالا واعيا ،نكون قد بددنا عوامل الهدر المدرسي، بدل التعليم البنكي الذي حول التلميذ إلى وعاء يشحن ويوجه حسب العرض والطلب ليعرض في بورصة الشغل بدون مشاعر أو رغبة أو حماس مما يؤثر على مستوى الإنتاج والإبداع .ونتوجه إلى الأجانب لشراء ابداعاتهم وأفكارهم ،وكلنا يرى في نفسه القدرة على إبداعها وابتكارها لو كان في وضعه الصحيح .
فالهاجس المادي أصبح يتحكم في توجهاتنا واختياراتنا بينما نؤجل أحلامنا وطموحاتنا وطاقاتنا الإبداعية إلى أن تتحجر أو يطويها النسيان أمام مشاغل الحياة اليومية.
فالنظام التعليمي يكرس زمن الهدر بإهماله هذه الطاقات ، فالمدرسة خزان لا ينضب للمواهب والطاقات الفنية والإبداعية على مستوى المسرح والتمثيل والغناء والرياضة والرسم ومختلف العلوم الإنسانية ، إلا أنها تتعرض للهدر والضياع بسبب الإهمال والانشغال بتوجيهها ضدا على إرادتها وحريتها في الاختيار وعدم ضمان مستقبلها الواعد والمشرف .
نورالدين بيلا
المنظومة التربوية بين الوجه والقناع


المتتبع للعملية التربوية بالمغرب يقف متعجبا أمام تركيبتها السريالية التي تجمع بين أرقى الطرق البيداغوجية في التدريس وأحدثها وبين التدني في الحصيلة التعليمية على مستوى المردودية والنتائج المخيبة والمحبطة، فأين الخلل إذن ؟
هل نحن في حاجة إلى المزيد من البرامج والمناهج ؟ فقد وصلنا حد التخمة بها، ومع ذلك لا نزال نشكوا الضعف والهزال إلى حد الوهن والاحتضار.
يكفي أن ملقي نظرة على عناوين المذكرات الوزارية التي تنهض بالعملية التعليمية التعلمية لنجدها في المضمون تصل إلى حد الانبهار والمثالية أحيانا ،وهذه حقيقة تؤكدها ترسانة من التوجيهات والتعليمات والمستجدات التربوية ويكذبها الواقع التعليمي التعلمي الذي وصل بنا التأسف عليه إلى حد الحنين إلى أيامه الخوالي التي عز فيها قلم الحبر الجاف وغاب فيها الدفتر والمقرر ولكن كان حاضرا المعلم والمربي القدوة الذي يتحدى النقص الحاد في التجهيزات والإكتضاض الذي كان يصل إلى خمسين تلميذا في الفصل الواحد ويعطي ما لديه من معرفة بكل إخلاص وتفان ،وكلنا الآن يقف مستغربا أما تهافت الآباء والأجداد على اقتناء سلسلة "إقرأ" لأحمد بوكماخ كذكرى نسترجع بها أمجاد التعليم المغربي ،وهيبة المعلم الذي كان يتتبعنا حتى في الشارع والأزقة وما أن نصادفه حتى نهرع لتقبيل يده وفاء وتبجيلا ، فهو الأب وهو الأخ وكلنا كان يتمنى أن يكون معلما في المستقبل احتذاء بقيمه النبيلة وشرف رسالته السامية.فأين الخلل إذن ؟ .
الأمور بدأت تتضح وتتضح أكثر عندما نتتبع مصير المذكرات الوزارية وما تتضمنه من توجيهات وتعليمات تذيل بوجوب التنفيذ والسهر على تطبيقها ولكن من ينفذها ومن يسهر على تطبيقها فكل من مركز مسؤوليته يتخلص من المذكرة ويكتب تقريرا يحصن به نفسه من المساءلة فأصبحت الاجتماعات واللقاءات التربوية تعقد بطريقة صورية مبتذلة وفقا للتوجيهات الرسمية ،وينتهي مفعول المذكرة بانتهاء الاجتماع أو اللقاء. فمن يتتبع التنفيذ ويحاسب عليه ومن ينصت للآباء وهمومهم مع التعليم العمومي الذي أصبح كابوسا يقض مضجعهم وخاصة الذين لا حول ولا قوة لهم لتوجيه فلذاتهم إلى التعليم الخصوصي حتى ينعموا بتعليم مريح . فالتعليم الابتدائي العمومي الذي يعتبر أساس العملية التعليمية يعيش آخر أنفاسه وينقرض بالتدريج أمام اكتساح التعليم الخصوصي وخاصة في الوسط الحضري ، فلننطلق من بيت الداء ونطرح السؤال لماذا التعليم الابتدائي الخصوصي يعطي نتائج طيبة وجيدة رغم انعدام التكوين التربوي عند أطره التعليمية وهزالة الأجور التي يتقاضونها مقارنة مع المجهود المضني المبذول ؟ في حين نجد أطرا تربوية لها ما لها من الكفاءة التربوية والخبرة والتجربة بينما عطاءها لا يشرف أحدا ، وكم من المجهود الذي يبذله المعلم مع تلامذته في التعليم العمومي فتجده يشكو الإرهاق والإجهاد للتهرب من حصص الدعم التطوعية، ولكن عندما ينصرف إلى الحصص الإضافية المؤدى عنها يزداد قوة وعزيمة ويكفي أن نتجول مساء بجوار الكتاتيب والمنازل التي تحولت إلى مدارس التعليم الأولي للتمويه وهي في الحقيقة تستأجر لتجار الدروس الخصوصية ، فترى التلاميذ ينتظرون دورهم كخلية نحل والمدرس كطبيب جراح ماأن يتخلص من فوج حتى يستقبل فوجا آخر، وعندما ينتهي من الكتاب يتجول عبر المنازل لإعطاء الدروس الخاصة جدا ،وعندما يسأله المتعلم في الحصص الرسمية يكو ن الجواب عليك بالدروس الخصوصية، لشراء نقطة النجاح ورضي المدرس، بل منهم من أصبح يجبر التلاميذ عليها حتى وإن كان من المتفوقين وإلا تعرض للانتقام والرسوب ويكفي نلقي نظرة على عدد الفروض المنجزة والمصححة وفق المذكرات الوزارية المنظمة للفروض، وهل التلاميذ يطلعون على نقطهم ويستطيعون محاسبة الأستاذ على نقطهم الممنوحة ؟!!! هنا الخلل إذن . فكل أسلاك التعليم تعيش فوضى المراقبة والتتبع والكل يتغاضى عما يجري أمامه من تسيب ويحاول تبرير موقفه بأن يد واحدة لا تصفق وهذا حال المدرسة المغربية، بينما تجده يسهر على تتبع مسيرة أبنائه التعليمية في المدارس الخصوصية .والدولة المغربية ترى في المدارس الخصوصية حلا للتخلص من التعليم العمومي .ولكن ماذا لو أن هذه المدارس الخصوصية أغلقت أبوابها وأعلنت عصيانها أو إفلاسها فأين سيتوجه هؤلاء التلاميذ ومن سيدرسهم، فتكلفة بناء وتجهيز سجن واحد يعادل تكلفة بناء عشرة مدارس ،وإغلاق مدرسة واحدة يتطلب بناء سجن جديد لإيواء المنقطعين عن الدراسة الذين يتوجهوا إلى الانحراف أمام ضيق سبل العيش الكريم وغياب من يضمن لهم تعليما جادا وفاعلا.فهنا كان الخلل،فنحن لسنا في حاجة إلى البرامج والمناهج والمستجدات التربوية ولكن نحتاج إلى تتبع العملية التعليمية بكل حزم وصرامة وجدية والضرب على أيدي المخربين الذين يسعون إلى الاغتناء على حساب مصير وطننا وشعبنا العزيز شعارهم "أنا وما بعدي الطوفان " .وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
بسم الله الرحمن الرحيم
الباكالوريا بين التقسيط المريب والشهادة النخبوية
أفرز نظام الباكالوريا المعتمد في التعليم المغربي اختلالات انعكست على الجودة التعلميةعبر مستويين :
المستوى الأول يبدأ مع السنة الأولى من سلك الباكالوريا عندما يكون التلميذ ـ والأسرة من خلفه ـ منشغلا بهاجس الامتحان الجهوي فيتم التركيز بشكل هستيري على المواد المفروضة في الامتحان الجهوي ،مستخدما كل السبل التي تخول له معدلا مريحا يضمن له الاطمئنان على شهادة الباكالوريا في السنة الختامية ،فيجهد نفسه بحصص التقوية المكثفة ،وقد أهمل المواد الأساسية في شعبته ،والتي تعتبر المحك الثاني في الامتحان الوطني،وإذا ما تعثر التلميذ في الامتحان الجهوي فسيواجه السنة الثانية محبطا متذمرا خاصة وأن المواد التي تسببت في نكبته لا علاقة لها بالتوجه الذي اختاره سلفا فيميل إلى العنف والانحراف السلوكي.
تبدأ معالم اختلالات المستوى الثاني مع السنة الثانية من سلك الباكالوريا والتي تمتد إلى ما بعد الباكالوريا ، في الفصل الدراسي أفرز لنا الامتحان الجهوي ثلاث فئات : الأولى حصلت على معدل مريح وتطمح للحصول على الميزة في المعدل النهائي،الثانية حصلت على معدل قريب من المتوسط ويحدوها أمل النجاح والحصول على الباكالوريا ،الثالثة حصلت على معدل ضعيف أملها الوحيد الحصول على مستوى الباكالوريا وهو ما يجبرها على إتمام السنة الدراسية ،فيكون حضورها صوريا والعملية التعلمية لا تعنيها في شيء ومنها من يلجأ إلى التشويش والشغب للتنفيس عن الضجر والإقامة الجبرية المفروضة عليه داخل الفصل.
تبقى إذن في حلبة المنافسة الفئة الأولى والثانية وهي المعنية بالنجاح، وإن كان طعمه يختلف عند كل منهما،والكل يتوجه إلى المواد المقررة في الامتحان الوطني ليبدأ السباق ضد الساعة تستخدم فيه جميع أنواع المنشطات للظفر بمعدل محترم ،وهنا أفتح قوسا لأبين أن كل التلاميذ بذلوا مجهودا متميزا للنجاح وإن كانت هنا الفئة الثانية غير محظوظة تحصل على معدل متواضع مع جهد كبير في التحصيل وتفوق في المواد الأساسية التي تجتازها في الامتحان الوطني فهي إذن ضحية المواد الثانوية التي اجتازتها في الامتحان الجهوي ،فتحرم من ولوج المدارس والمعاهد والكليات التي تعتمد على المعدل في عملية الانتقاء رغم أنها أبانت عن عزيمة وقدرة في تجاوز خيبة الامتحان الجهوي فالمجهود كان مضاعفا خاصة في المواد الأساسية في الشعبة التي ينتمي إليها التلميذ،مع ما يتبع ذلك من اختلال وارتباك في هذه المدارس والمعاهد العليا فنفس لائحة التلاميذ المقبولين نجدها تتكرر في كل المدارس والمعاهد، والتلميذ سيختار واحدة فقط مما يحدث خصاصا يعوض بالاحتياط حتى وإن كان دون المطلوب لسد الفراغ وهنا تبدأ التدخلات والزبونية الجاري بها العمل في مثل هذه الحالات.
لنتابع التلميذ ما بعد حصوله على الباكالوريا وقد تخلص من ضغط نفسي رهيب وأصبح في التعليم العالي ينعم بحرية أكبر وبوضعية دراسية مريحة ،فهل المستوى الدراسي الذي حصله يؤهله لمتابعة التعليم العالي بما يتطلبه من إستراتيجية جديدة تعتمد مؤهلات التلميذ الذاتية ومدى قدرته على تحمل المسؤولية دون منشطات ؟
فبعدما تخطى عقبة الباكالوريا أصبح الآن أمام جبل الدراسة العليا فمن الطلبة من ينهار وينسحب ومنهم من يبقى تائها أما هول الصدمة والبقية القليلة هي التي تقاوم حتى النهاية.
فعملية بسيطة تضعنا أما هول وفضاعة الهدر المادي والمعنوي الذي تسبب فيه نظام الباكلوريا المعتمد.
فلماذا لا تكون باكلوريا وطنية يجتازها التلميذ في نهاية دراسته الثانوية وتكون باكلوريا تؤهل التلميذ المشاركة في مباريات الانتقاء دون اعتبار الميزة ،في حين تكون السنة الأولى والثانية من التعليم الثانوي مرحلة لإعداد التلميذ على أسس قوية وتكوين معمق يؤهله للمستقبل الدراسي المقبل بكل ثقة وعزيمة.بدل هذا التعليم الصوري العقيم الذي لا يستفيد منه إلا باعة المنشطات و"دروس الدعم والتقوية." .
